سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )

311

خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )

المجلس وكان الأمل أن يوجد من طراز رياض باشا كثير في الأقطار المصرية يصدعون بما يصدع به خصوصا بعد ما نازلتهم الحوادث المريعة ومثّلت لهم مستقبل بلادهم في مرآة حاضرها . ولقد أدى الرجل حقا واجبا عليه . والقائم بأداء الفريضة قد يشكر إذا أهملها المكلفون بها وقد صيروها في عداد النوافل ، ولكن قد أخذنا العجب في حينه ويأخذنا كلما تذكرنا من بقية أعضاء ذلك المجلس الموقر كيف أحجموا أو تلكأوا أو سكتوا وكيف وسعتهم القدرة على إمساك ألسنتهم عن التعبير بما في ضمائرهم . إنا لا نعلم أحدا منهم تجنس بالجنسية الإنلجيزية وحاشا جميعهم من ذلك ولا يختلج في صدورنا أن مصريا ، أو تركيا أو عراقيا ، أياكان يميل ميلا صادقا إلى تسلط الأمم الأجنبية على بلاده أو يخلص في خدمة الإنجليز ومجاراة رغائبهم إخلاصا صحيحا ، خصوصا أولئك الأمراء ، بل لو كشف الحجاب عن قلب كل واد منهم لرأيناه ذائبا من الأسف مما حل في بلاده ، وفانيا من الحزن على ما نزل بوطنه من تردد جيوش الأجانب بين أطرافه ومضمحلا من الكدر على ما عقبه حلول القوة الأجنبية من انقباض النفس وانقطاع الآمال وتعمم الاختلال وشمول الفقر والفاقة وبطلان حركة الأعمال ، بل لو شاء القلم أن يعبر عن حالة الأمير منهم عندما يطرق آذانه أخبار التصرف الإنجليزى في إدارات حكومته وكف أيدي الموظفين من أبناء ملته عن أداء ما يجب عليه لبلادهم وبسطة أيدي أولئك الأجانب في إنفاق الأموال من ماله ومال عياله وأقاربه وأحبائه وجميع مواطنيه بدون حق شرعي ولا مصلحة وطنية أو عندما يرى غنيا أعدم وعزيزا ذل وكاسيا عري وحيا أشرف على الهلاك من ضغط المظالم ، ولو نهضت قوة البيان لشرح ما يظهر على وجهه من ألوان الكمودة وفي أعضائه من أنواع الرعدة وما ينبض به قلبه وما يحدثه فكره من هو اجس الهموم وخواطر الغموم لما استطاع القلم تعبيرا ولو قفت قوة البيان دون الإتيان على قليل من كثير . هذا هو الذي لا يبرأ منه أحد منهم ، ولو أقام على البراءة ألف برهان كيف لا ؟ ! وهم يعلمون أن عزتهم وسيادتهم وما بلغوا من مراتب الشرف والرفعة إنما كان بقيامهم على أعمال البلاد وأهليتهم لاستلام مهامها واستعدادهم لإدارة شؤون الرعية وهم على يقين بأنه لو ساد في ديارهم أجنبي فلا